ابن الجوزي
321
زاد المسير في علم التفسير
بعض أهل التفسير . قال أبو بكر النقاش : ومعنى قوله : ( ذرية بعضها من بعض ) أن الأبناء ذرية للآباء ، والآباء ذرية للأبناء . كقوله [ تعالى ] : ( حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) ، فجعل الآباء ذرية للأبناء ، وإنما جاز ذلك ، لأن الذرية مأخوذة من : ذرأ الله الخلق ، فسمي الولد للوالد ذرية ، لأنه ذرئ منه ، وكذلك يجوز أن يقال للأب : ذرية للابن ، لأن ابنه ذرئ منه ، فالفعل يتصل به من الوجهين ، ومثله : ( يحبونهم كحب الله ) فأضاف الحب إلى الله ، والمعنى : كحب المؤمن لله ، ومثله ( ويطعمون الطعام على حبه ) ، فأضاف الحب إلى للطعام . إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ( 35 ) قوله [ تعالى ] : ( إذ قالت امرأة عمران ) في " إذ " قولان : أحدهما : أنها زائدة ، واختاره أبو عبيدة ، وابن قتيبة . والثاني : أنها أصل في الكلام ، وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : أن المعنى : اذكر إذ قالت امرأة عمران ، قاله المبرد ، والأخفش ، . والثاني : أن العامل في ( إذ قالت ) معنى الاصطفاء ، فيكون المعنى : اصطفى آل عمران ، إذ قالت امرأة عمران ، واصطفاهم إذ قالت الملائكة : يا مريم ، هذا اختيار الزجاج . والثالث : أنها من صلة " سميع " تقديره : والله سميع إذ قالت ، وهذا اختيار ابن جرير الطبري . قال ابن عباس : واسم امرأة عمران حنة ، وهي أم مريم ، وهذا عمران بن مأتان ، وليس ب " عمران أبي موسى " وليست هذه مريم أخت موسى . وبين عيسى وموسى ألف وثمانمائة سنة . والمحرر : العتيق . قال ابن قتيبة : يقال : أعتقت الغلام ، وحررته : سواء . وأرادت : أي نذرت أن أجعل ما في بطني محررا من التعبيد الدنيا ، ليعبدك . وقال الزجاج : كان على أولادهم فرضا أن يطيعوهم في نذرهم ، فكان الرجل ينذر في ولده أن يكون خادما في متعبدهم . وقال ابن إسحاق : كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها الولد حتى أسنت ، فرأت طائرا يطعم فرخا له ، فدعت الله أن يهب لها ولدا ، وقالت : اللهم لك علي إن ترزقني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس ، فحملت بمريم ، وهلك عمران ، وهي حامل . قال القاضي أبو يعلى : والنذر في مثل ما نذرت صحيح في شريعتنا ، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته ، وأن يعلمه القرآن ، والفقه ، وعلوم الدين ، صح النذر .